أبي منصور الماتريدي

119

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يشبه أن يكون قوله : يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [ أن يكون ] « 1 » أي : يكفرون بها ويستهزءون بها ؛ كما قال في سورة النساء : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها [ النساء : 140 ] فيكون خوضهم في الآيات « 2 » الكفر بها والاستهزاء بها ، ويكون قوله - تعالى - : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ، أي : لا تقعد معهم ؛ كما قال : فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ [ النساء : 140 ] . وقوله - عزّ وجل - : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ . يحتمل : النهي عن القعود معهم على ما ذكرنا من قوله : فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ . ويحتمل الإعراض : الصفح عنهم وترك المجازاة لمساويهم ؛ كقوله - تعالى - : فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ [ الزخرف : 89 ] ؛ [ و ] كقوله تعالى : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً [ النساء : 63 ] وفيه الأمر بالتبليغ فينهى عن القعود معهم والأمر بالتبليغ . وقوله - عزّ وجل - : وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ معناه - والله أعلم - : أن الشيطان إذا أنساك القعود معهم فلا تقعد بعد ذكر الذكرى ، ومعنى النهي بعد ما أنساه الشيطان ، أي : لا تكن بالمحل الذي يجد الشيطان إليك سبيلا في ذلك . وقوله - عزّ وجل - : وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ . قيل « 3 » فيه رخصه الجلوس معهم ؛ وهو كقوله : ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [ الأنعام : 52 ] ثم نسخ ذلك بقوله - تعالى - : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [ النساء : 140 ] وكان النهي عن مجالستهم ليس للجلوس نفسه ، ولكن ما ذكرنا من خوضهم في آيات الله بالاستهزاء بها [ والكفر بها ] « 4 » هو الذي كان يحملهم على ذلك ، ليس ألا يجوز أن تجالسهم « 5 » ، وكذلك ما نهانا أن نسبهم ليس ألا يجوز لنا أن نسبهم ، ولكن لما كان سبنا إياهم هو الذي يحملهم على سب الله .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : آيات . ( 3 ) ينظر تفسير البغوي مع الخازن ( 2 / 393 ) . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) في ب : تجالسوهم .